الشنقيطي

257

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الأمة ، يفهم منه أن الأمة التي لم تحصن ليست كذلك فقط ، فيحتمل أنها لا تجلد ويحتمل أنها تجلد أكثر من ذلك أو أقل أو ترجم إلى غير ذلك من المحتملات ، ولكن السنة الصحيحة دلت على أن غير المحصنة من الإماء كذلك ، لا فرق بينها وبين المحصنة ، والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة دفع توهم أنها ترجم كالحرة ، فقد أخرج الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللّه عنهما قالا : سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، قال : « إن زنت فاجلودها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير » « 1 » . قال ابن شهاب : لا أدري أبعد الثالثة ، أو الرابعة . وحمل الجلد في الحديث على التأديب غير ظاهر ، لا سيما وفي بعض الروايات التصريح بالحد ، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه ، والظاهر أن السائل ما سأله إلا لأنه أشكل عليه مفهوم هذه الآية فالحديث نص في محل النزاع ، ولو كان جلد غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه صلّى اللّه عليه وسلم . وبهذا تعلم أن الأقوال المخالفة لهذا لا يعول عليها ، كقول ابن عباس ومن وافقه المتقدم آنفا ، وكالقول بأن غير المحصنة تجلد مائة ، وهو المشهور عن داود بن علي الظاهري ، ولا يخفى بعده وكالقول بأن الأمة المحصنة ترجم وغير المحصنة تجلد خمسين ، وهو قول أبي ثور ، ولا يخفى شدة بعده والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ [ 34 ] الآية . ذكر في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء ، ولم يبين هل يحصل من الرجال نشوز أو لا ؟ ولكنه بين في موضع آخر أن النشوز أيضا قد يحصل من الرجال ، وهو قوله تعالى : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً [ النساء : 128 ] الآية . وأصل النشوز في اللغة الارتفاع ، فالمرأة الناشز كأنها ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها ، وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج ، وكأن نشوز الرجل ارتفاعه أيضا عن المحل الذي فيه الزوجة وتركه مضاجعتها والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [ 40 ] الآية . لم يبين في هذه الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة ، ولا أكثره ولكنه بين في موضع آخر أن أقل ما تضاعف به عشر أمثالها ، وهو قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2153 و 2154 ، والعتق حديث 2555 و 2556 ، والحدود حديث 6837 و 6838 ، ومسلم في الحدود حديث 32 و 33 .